محمود توفيق محمد سعد

237

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وكأني ب " البقاعيّ " يستحضر في عقله هنا مقالة " أبي سليمان : حمد الخطابيّ " ( ت : 388 ه ) التي يقول فيها : " وإنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لأمور منها : أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها . ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ . ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض ، فيتوصّل باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أنّ يأتوا بكلام مثله . . " « 1 » يبيّن البقاعيّ الغاية من القصص القرآنيّ وهي بيان المعاني فإذا أديت فلا يضرّ اختلاف الألفاظ لاختلاف المقامات ذلك أنّ الأحداث حين وقوعها تكون كاملة المعاني واللّه عزّ وجلّ عليم بها جميعها فيعبر عنها في كل مرة بما يلائم ذلك المقام والغرض المنصوب له الكلام . في هذا إشارة إلى أن الذي يقصّ علينا ما كان وما يكون إنّما هو العليم الخبير جلّ جلاله ، فهو العليم بدقائق ولطائق المعاني المكنونة في الصدور التي يقص أخبارها وما كان منها ومكا سيكون ، وهو العليم بما يملك لسان العربية من قدرات الإبانة عن لطائف المعاني وشواردها وأوابدها ، فيصطفي في كلّ مرة من النظوم ما ينقل إلينا جانبا من جوانب المعنى بحيث يكون ذلك المنقول إلينا هو المتناسب مع السياق والغرض المنصوب له الكلام ، لأنّ ذلك القصص له غاية تثقيفية تربوية تهذيبية هي المعيار في الاصطفاء معنى وصورة معنى وأكثر ما قصّه القرآن الكريم من قصص لم يكن المخبر عنه المحكي أخبارهم بالناطقين بلسان العربيّ ولكن القرآن الكريم قد صور بلسان العربية المبين دقائق معانيهم القائمة في ألسنتهم الأعجمية وما كان من المعاني مكنونا في صدورهم التي خلقها اللّه عزّ وجلّ وعلم خفاياها وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( الملك : 13 - 14 ) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( غافر : 19 )

--> ( 1 ) - بيان إعجاز القرآن الكريم لأبي سليمان الخطابي : 26 - ضمن كتاب ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - ت : محمد خلف اللّه وزغلول سلام - ط : دار المعارف بمصر